صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي
97
أنس المسجون وراحة المحزون
عليّ قبل موتي . فكتب أرسطاطاليس كتابا هذه نسخته « 1 » : من الإسكندر رفيق أهل الأرض بجسده قليلا ، ورفيق أهل السّماء بروحه كثيرا إلى والدته أرفية الصّفيّة والحبيبة التي تحبّ التّمتّع بولدها في دار الغرّ الغرور ، وتزهد في مجاورته غدا في دار النّشور . يا ذات الحلم الرّاجح ، أسألك من قربي من قلبك أن تستمعي لقراءة كتابي هذا وتتفهّميه وترفعي نفسك عن شبه النّساء وضعفهنّ في الرّقة ، كما لم يكن ابنك يرضى بشبه الرّجال في كثير من أمورهم ، وانظري وتأمّلي في جميع ما أحاط به العالم . هل رأيت لشيء قرارا ثابتا ، أو حالا دائما ؟ ألم تري أنّ « 2 » الشّجرة كيف تهتزّ أغصانها ، وتخرج ثمارها وتلتفّ ورقها ، ثم إن يلبث أن ينهشم الغصن ، ويتساقط الثّمر ، ويتناثر الورق . أو لم ترى إلى النّهار المضيء النيّر البهي كيف تخلفه الظّلمة في مكانه ؟ ، أو لم تري القمر أبهى ما يكون ليلة البدر يكسفه الكسوف فيذهب بنوره فيظلم ما ظهر من نوره وبهجته وحسنه ، أو لم تري الكواكب الزّاهرة كيف يغشاها الطّموس فيخمد نورها ؟ أو لم تري إلى شهب النّيران المتوقّدة ما أسرع ما يخبو ضوءها ولهبها ؟ بل انظري إلى الماء العذب ما أسرع جريته إلى البحار المالحة التي تحوله إلى طبيعتها ومرارة ذوقها ؟ وإلى هذا الخلق العجيب الذي ينافس في
--> ( 1 ) جاء في « مختار الحكم » ( 239 ) بداية الرسالة فقط وفيها اختلاف « من العبد بن العبد الإسكندر رفيق أهل الأرض بجسده قليلا ، ومجاور أهل الآخرة بروحه طويلا ، إلى أمه روفيا الصفية الحبيبة ، التي لم يتمتع بقربها في دار القرب ، وهي مجاورته غدا في دار البعد . . . » إلى آخر الكتاب ، وهو كتاب طويل . وقد ذكرته وغيره من كتبه في تاريخي الكبير على التمام . ا . ه . وللإسكندر رسالة ثانية أيضا مختلفة إلى أمه كتبها بنفسه ولا تتوافق مع هذه الرسالة إلا بجمل مقتضبة ، انظر مختار الحكم أيضا ( 249 ) . ( 2 ) كذا في الأصل ، ولعلها إلى .